ابن بطوطة
321
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
أجرى اللّه الصالحات على يدي من أجراه ، وتقبّل أعماله التي قدّمها لأخراه بمنّه ويمنه . فصل ولما تخلصت الزاوية التي هي شمس والزوايا كواكب ، وتم ذلك المصنع الذي هو بحر والمصانع أنهار ومذانب . أمر مولانا أيّده اللّه بكتب ظهير كريم بتعيين مرتبات للقائمين هنالك بالوظائف ، وجرايات للمتولين لاشغالها المرضية السالف والخالف ، وأن يرتب هنالك جملة من الفقراء الصوفيّة أولي الأسرار القلبية ، والأنوار القدسيّة ، ليقيموا هنالك لإقامة الذكر ، ملعنين مع - شيخهم - بالحمد للّه والشكر ، عامرين المجالس التي تحف بها ملائكة الرحمن . وتتنزّل عليها الرحمة في كل الأحيان ، سالكين مسالك أهل الطريق ، دارجين على مقامات أهل التحقيق . مكرمين للضياف ، موضحين لهم سبل الائتلاف . جامعين لهم على مركز التقوى ، معلقين آمالهم بالأسباب التي لا تزال تقوى . وكذلك تعيّنت الجرايات لجملة من الخدم المتزوجات لأمثالهن عددا من العبيد المجتمعين في قبضة الرقّ السعيد المختارين للتحبيس على ذلك الموضع الذي هو أبدع من القصر المشيد ، ليقوموا بتنظيف تلك الديار ، وخدمة الزوّار ، وعمل الأطعمة العميمة الإيثار . وعيّنت للقبّة السعيدة وسائر البيوت فرش حسنة النعوت ، من الطنافس والقطف ، والزرابي واللحف . وصدرت بخطي تلك الظهائر الكريمة ، والمراسم الشريفة . واستقر الحال على ما ترضاه الإمامة المنيبة والخلافة المنيفة . ونجحت الأمور ، وثلجت برؤية الصدور الصدور . وزادت الأنوار ، وتوالت الأذكار ، ورقت شمائل الأسرار . وهبّت الصبا والشمائل بالاستبشار . فهي زاوية سعيدة السعداء إلّا أنها في الغرب ، ورياض ربيع إلّا أنه نابت منها بالقرب . فصل ومن جملة من سكن هذه الزاوية المباركة من الواردين عليها ، والصلحاء القاصدين إليها ، ولي من الأولياء أقام هنالك نحو نصف عام صامتا لا يتكلّم ، صائما الدهر يتحدّث ويتألّم . مقبلا على العبادة ، طالبا كيمياء السعادة . لا يلتفت إلى مخلوق ، ولا يفتر عن أداء ما للّه عليه من حقوق . إلى أن اعتراه مرض برح به ، ووصل سبب التألّم بسببه . فعند ذلك تكلّم بما خفّ ، ومد للمصافحة الكف . وصرف وجهه إلى رؤية القاصد . وغدا ألمه موصولا ، فاحتاج إلى العائد .